السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
329
مختصر الميزان في تفسير القرآن
معهم موجود عندهم وبما هو غائب عنهم آت خلفهم ، ولذلك عقبه بقوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ، تبيينا لتمام الإحاطة الربوبية والسلطة الإلهية أي إنه تعالى عالم محيط بهم وبعلمهم وهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . ولا ينافي إرجاع ضمير الجمع المذكر العاقل وهو قوله « هم » في المواضع الثلاث إلى الشفعاء ما قدمناه من أن الشفاعة أعم من السببية التكوينية والتشريعية ، وأن الشفعاء هم مطلق العلل والأسباب ، وذلك لأن الشفاعة والوساطة والتسبيح والتحميد لما كان المعهود من حالها انها من أعمال أرباب الشعور والعقل شاع التعبير عنها بما يخص أولي العقل من العبارة . وعلى ذلك جرى ديدن القرآن في بياناته كقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ( الأسراء / 44 ) ، وقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( فصلت / 11 ) ، إلى غير ذلك من الآيات . وبالجملة قوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ، يفيد معنى تمام التدبير وكماله ، فإن من كمال التدبير أن يجهل المدبر ( بالفتح ) بما يريده المدبر ( بالكسر ) من شأنه ومستقبل أمره لئلا يحتال في التخلص عما يكرهه من أمر التدبير فيفسد على المدبر ( بالكسر ) تدبيره ، كجماعة مسيرين على خلاف مشتهاهم ومرادهم فيبالغ في التعمية عليهم حتى لا يدروا من أين سيروا ، وفي أين نزلوا ، وإلى أين يقصد بهم . فيبين تعالى بهذه الجملة ان التدبير له وبعلمه بروابط الأشياء التي هو الجاعل لها ، وبقية الأسباب والعلل وخاصة أولو العلم منها وإن كان لها تصرف وعلم لكن ما عندهم من العلم الذي ينتفعون به ويستفيدون منه فإنما هو من علمه تعالى وبمشيته وإرادته ، فهو من شؤون العلم الإلهي ، وما تصرفوا به فهو من شؤون التصرف الإلهي وانحاء تدبيره ، فلا يسع لمقدم منهم أن يقدم على خلاف ما يريده اللّه سبحانه من التدبير الجاري في مملكته إلا وهو بعض